الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

ج1 سادس كتاب الفصل في الملل والنحل لابن حزم




وفي المزمور الحادي وستين منه أن العرب وبني سبا يؤدون إليه المال ويتبعونه وإن الدم يكون له عنده ثمن وهذه صفة الدية التي ليست إلا في ديننا وفيه أيضاً ويظهر من المدينة هكذا نصاً وهذا إنذار بين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الكتب التي يضيفونها إلى سليمان عليه السلام فهي ثلاثة واحدها يسمى شارهسير ثم معناه شعر الأشعار وهو على الحقيقة هوس الأهواس لأنه كلام أحمق لا يعقل ولا يدري أحد منهم مراده إنما هو مرة يتغزل بمذكر ومرة يتغزل بمؤنث ومرة يأتي منه بلغم لزج بمنزلة ما يأتي به المصدوع والذي فسد دماغه وقد رأيت بعضهم يذهب إلى أنه رموز على الكيميا وهذا وسواس آخر ظريف والثاني يسمى مثلاً معناه الأمثال فيه مواعظ وفيه أن قال قبل أن يخلق الله شيئاً في البدء من الأبد أنا صرت ومن القديم قبل أن تكون الأرض وقبل أن تكون النجوم أنا قد كنت استلمت وقد كنت ولدت وليس كان خلق الأرض بعد ولا الأنهار وإذ خلق الله السماواتقد كنت حاضراً وإذ كان يجعل للنجوم حداً صحيحاً ويدق بها وكان يوثق السماوات في العلو ويقدر عيون المياه وإذ كان يحدق على البحر تنجمه ويجعل للمياه نحى لئلا تجاوز جوزها وإذ كان يعلق أساسات الأرض أنا معه كنت مهيئاً للجميع قال أبو محمد رضي الله عنه فهل في الملحنة أكثر من هذا وهل يضاف هذا الحمق إلى رجل معتدل فكيف إلى بني إسرائيل وهل هذا الإشراك صحيح وحاش لله أن يقول سليمان عليه السلام هذا الكلام تالله ما عبط أهل الإلحاد بإلحادهم إلا هذا ومثله ورأيت بعضهم يخرج هذا على أنه إنما أراد علم الله تعالى قال أبو محمد رضي الله عنه ولا يعجز من لا حيأ له عن أن يقلب كل كلام إلى ما اشتهى بلا برهان ووصف الكلام عن موضعه ومعناه إلى معنى آخر لا يجوز إلا بدليل صحيح غير ممتنع المراد في اللغة والثالث يسمى فوهلث معناه الجوامع فيه إن قال مخاطباً لله تعالى اخترني أمير إلا أمتك وحاكماً على بنيك وبناتك وهذا كالذي سلف وحاش لله أن يكون له بنات وبنون لاسيما مثل بني إسرائيل في كفرهم في دينهم وضعفهم في دنياهم ورذالتهم في أحوالهم النفسية والجسدية‏.‏
وفي كتاب حزقيا يقول السيد سأمد يدي على بني عيسو وأذهب عن أرضهم الآدميين والأنعام وأفقرهم وأنتقم منهم على يدي أمتي بني إسرائيل قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا ميعاد قد ظهر كذبه يقيناً لأن بني إسرائيل قد بادوا جملة وبنو عيسو باقون في بلادهم بنص كتبهم ثم بعد ذلك باد بنو عيسو فما على أديم الأرض منهم أحد يعرف أنه منهم وصارت بلادهم للمسلمين وسكانها لخم وغيرهم من العرب وبطل بذلك أن يدعوا أن هذا يكون في المستأنف وفي كتاب لشعيا أنه رأى الله عز وجل شيخاً أبيض الرأس واللحية وهذا تشبيه حاشا لنبي أن يقوله‏.‏
وفيه قال الرب من سمع قط مثل هذا أنا أعطي غيري أن يلد ولا ألد أنا وأنا الذي أرزق غيري أفأكون أنا بلا ابن قال أبو محمد رضي الله عنه هذا أطم ما سمع به أن يقيس الله عز وجل نفسه في كون البنين على خلقه وكل هذا أشنع من قول النصارى في إضافة الشرك والولد والزوجة إلى الله تعالى ونعوذ بالله من الخذلان قال أبو محمد رضي الله عنه لم نكتب مما في الكتب التي يضيفونها إلى الأنبياء عليهم السلام إلا طرفاً يسيراً دالاً على فضيحتها أيضاً وتبديلها وقد قلنا إنهم كانوا في بلد صغير محاط به ثم لا ندري كيف يمكنهم اتصال شيءٍ من ذلك إلى نبي من أنبيائهم لاسيما من لم يكن إلا في أيام كفرهم مخافاً ومقتولاً فصح بلا شك أنها من توليد من عمل لهم الصلوات التي هم عليها والشرائع التي يقرون أنها من عمل أحبارهم الثابتة إذ ظهر دينهم وانتشرت بيوت عبادتهم فصارت لهم مجامع يتعلمون فيها دينهم وعلماء يعلمونهم في كل بلد بخلاف ما أوضحنا أنهم كانوا عليه أيام دولتهم الأولى من كونهم كلهم كفاراً أميين من السنين وكونهم لا مسجد لهم أصلاً إلا بيت المقدس ولا مجمع بعلم لهم أصلاً ولا عالماً يعلمهم بوجه من الوجوه ولا جامع لشيءٍ من كتبهم والحمد لله رب العالمين ولو تقصينا ما في كتب أنبيئاهم من المناقضات والكذب لكثر ذلك جداً وفيما أوردناه كفاية قال أبو محمد رضي الله عنه وقد اعترض بعضهم فيما كان يدعي عليهم من تبديل التوراة وكتبهم والمضافة إلى الأنبياء قبل أن يبين لهم أعيان ما فيها من الكذب البحت فقال قد كان في مدة دولتهم أنبياء وبعد دولتهم ومن المحال أن يقر أولئك الأنبياء على تبديلها قال أبو محمد رضي الله عنه فجواب هذا القول أن يقال إن كان يهودياً كذبت ما في شيءٍ من كتبكم أنه رجع إلى البيت مع زربائيل بن صيلئال بن صدقياً الملك نبني أصلاً ولا كان معه في البيت نبي بإقرارهم أصلاً وكان ذلك قبل أن يكتبها لهم عزرا الوراق بدهر وقبل رجوعهم إلى البيت مع زربائيل مات دانيال آخر أنبيائهم في أرض بابل وأما الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل بعد سليمان فكلهم كما بينا إما مقتول بأشنع القتل أو مخاف مطرود منفي لا يسمع منهم كلمة إلا خفية حاشا مدة الملوك المؤمنين الخمسة في بني يهوذا أو بني بنيامين خاصة وذلك قليل تلاه ظهور الكفر وحرق التوراة وقتل الأنبياء وهو كان خاتمة الأمر وعلى هذا الحال وافاهم انقراض دولتهم أيضاً فليس كل نبي يبعث بتصحيح كتاب من قبله فبطل اعتراضهم بكون الأنبياء فيهم جملة‏.‏
وإن كان نصرانياً يقر بالمسيح وزكريا ويحيى عليهم السلام قيل له إن المسيح بلا شك كانت عنده التوراة المنزلة كما أنزلها الله تعالى وكان عنده الإنجيل المنزل قال الله تعالى ‏"‏ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني إسرائيل ‏"‏ إلا أنه عرض في النقل عنه بعد رفعه عارض أشد وأفحش من العارض في النقل إلى موسى عليه السلام فلا كافة في العالم متصلة إلى المسيح عليه السلام أصلاً والنقل إليه راجع إلى خمسة فقط وهم متى وباطره بن نونا ويوحنا ابن سبذاي ويعقوب ويهوذا أبناء يوسف فقط ثم لم ينقل عن هؤلاء إلا ثلاثة فقط وهو لوقا الطبيب الأنكاكي ومارقس الهاروني وبولس البنياميني وهؤلاء كلهم كذابون وقد وضح عليهم الكذب جهاراً على ما نوضحه بعد هذا إن شاء الله تعالى وكل هؤلاء مع ما صح من كذبهم وتدليسهم في الدين فإنما كانوا منتشرين بإظهار دين اليهود ولزوم السبت بنص كتبهم ويدعون إلى التثليث سراً وكانوا مع ذلك مطلوبين حيث ما ظفروا بواحد منهم ظاهراً قتل فبطل الإنجيل والتوراة برفع المسيح عليه السلام بطلاناً كلياً وهذا الجواب إنما كان يحتاج إليه قبل أن يظهر من كذب توراتهم وكتبهم ما قد أظهرنا وأما بعد ما أوضحنا من عظيم كذب هذه الكتب بما لا حيلة فيه فاعتراضهم ساقط لأن يقين الباطل لا يصححه شيءٌ أصلاً كما أن يقين الحق لا يفسده شيءٌ أبداً‏.‏
فاعلموا الآن أن ما عورض به الحق المتيقن ليبطل به أو عورض به دون الكذب المتيقن ليصحح به فإنما هو سغب وتمويه وإيهام وتخييل وتحيل فاسد بلا شك لأن يقينين لا يمكن البتة في البنية أن يتعارضا أبداً وبالله تعالى التوفيق‏.‏
فإن قيل فإنكم تقرون بالتوراة والإنجيل وتشهدون على اليهود والنصارى بما فيها من ذكر صفات نبيكم وقد استشهد نبيكم عليهم بنصها في قصة الراجم للزاني المحصن‏.‏
وروي أن عبد الله بن سلام ضرب يد عبد الله بن صوريا إذ وضعها على آية الرجم‏.‏
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ التوراة وقال آمنت بما فيك‏.‏
قلنا وبالله التوفيق كل هذا حق حاشا قوله عليه السلام آمنت بما فيك فإنه باطل لم يصح قط وكله موافق لقولنا في التوراة والإنجيل بتبديلهما وليس شيء منه حجة لمن ادعى أنهما قال أبو محمد رضي الله عنه أما إقرارنا بالتوراة والإنجيل فنعم وأي معنى لتمويهكم بهذا ونحن لم ننكرهما قط بل نكفر من أنكرهما إنما قلنا إن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام حقاً وأنزل الزبور على داود عليه السلام حقاً وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام حقاً وأنزل الصحف على إبراهيم وموسى عليهما السلام حقاً وأنزل كتباً لم يسم لنا على أنبياء لم يسموا لنا حقاً نؤمن بكل ذلك قال تعالى ‏"‏ صحف إبراهيم وموسى ‏"‏ وقال تعالى ‏"‏ وإنه لفي زبر الأولين ‏"‏ وقلنا ونقول إن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضه حجة عليهم كما شاء ‏"‏ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ‏"‏ ‏"‏ لا معقب لحكمه ‏"‏ وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم كما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏.‏
فدرس ما بدلوا من الكتب المذكورة ورفعه الله تعالى كما درست الصحف وكتب سائر الأنبياء جملة فهذا هو الذي قلنا وقد أوضحنا البرهان على صحة ما أوردنا من التبديل والكذب في التوراة والزبور ونورد إن شاء الله تعالى في الإنجيل وبالله تعالى نتأيد‏.‏
فظهر فساد تمويههم بأننا نقر بالتوراة والإنجيل والزبور ولم ينتفعوا بذلك في تصحيح ما بأيديهم من الكتب المكذوبة المبدلة والحمد لله رب العالمين‏.‏
وأما استشهادنا على اليهود والنصارى بما فيهما من الإنذار بنبينا صلى الله عليه وسلم فحق وقد قلنا آنفاً أن الله تعالى أطلعهم على تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين كما أطلق أيديهم على قتل من أراد كرامته بذلك من الأنبياء الذين قتلوهم بأنواع المثل وكف أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين حجة عليهم كما كلف أيديهم الله تعالى عمن أراد أيضاً كرامته بالنصر من أنبيائه الذين حال بين الناس وبين أذاهم‏.‏
وقد أغرق الله تعالى قوم نوح عليه السلام وقوم فرعون نكالاً لهم وأغرق آخرين شهادة لهم وأملى لقوم ليزدادوا فضلاً‏.‏
هذا ما لا ينكره أحد من أهل الأديان جملة وكان ما ذكرنا زيادة في أعلام النبي صلى الله عليه وسلم الواضحة وبراهينه اللائحة والحمد لله رب العالمين‏.‏
فبطل اعتراضهم علينا باستشهادنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة في أمر رجم الزاني المحصن وضرب بن سلام رضي الله عنه يد ابن صوريا إذ جعلها على آية الرجم فحق وهو مما قلنا آنفاً إن الله تعالى أبقاه خزياً لهم وحجة عليهم وإنما يحتج عليهم بهذا كله بعد إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم بالبراهين الواضحة الباهرة بالنقل القاطع للعذر على ما قد بينا ونبين إن شاء الله تعالى ثم نورد ما أبقاه الله تعالى في كتبهم المحرفة من ذكره عليه السلام إخزاء لهم وتبكيتاً وفضيحة لضلالهم لا لحاجة منا إلى ذلك أصلاً والحمد لله رب العالمين‏.‏
وأما الخبر بأن النبي عليه السلام أخذ التوراة وقال آمنت بما فيك‏.‏
فخبر مكذوب موضوع لم يأت قط من طرق فيها خير ولسنا نستحل الكلام في الباطل لو صح فهو من التكلف الذي نهينا عنه كما لا يحل توهين الحق ولا الاعتراض فيه‏.‏
وأما قول الله عز وجل ‏"‏ يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ‏"‏ فحق لا مرية فيه وهكذا نقول ولا سبيل لهم إلى إقامتها أبداً لرفع ما أسقطوا منها فليسوا على شيء إلا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل كلهم يؤمنون حينئذ بما أنزل الله منهما وجداؤ عدم ويكذبون بما يدل فيهما مما لم ينزله الله تعالى فيهما وهذه هي إقامتهما حقاً فلاح صدق قولنا موافقاً لنص الآية بلا تأويل والحمد لله رب العالمين‏.‏
وأما قوله تعالى ‏"‏ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ‏"‏ فنعم إنما هو في كذب كذبوه ونسبوه إلى التوراة على جاري عادتهم زائد على الكذب الذي وضعه أسلافهم في توراتهم فبكتهم عليه السلام في ذلك الكذب المحدث بإحضار التوراة إن كانوا صادقين فظهر كذبهم‏.‏
وكم عرض لنا هذا مع علمائهم في مناظراتنا لهم قبل أن نقف على نصوص التوراة فالقوم لا مؤنة عليهم من الكذب حتى الآن إذا طعموا بالتخلص من مجلسهم لا يكون ذلك إلا بالكذب وهذا خلق خسيس وعار لا يرضى به مصحح ونعوذ بالله من مثل هذا‏.‏
وأما قوله تعالى ‏"‏ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ‏"‏ فنعم هذا حق على ظاهره كما هو وقد قلنا إن الله تعالى أنزل التوراة وحكم بها النبيون الذين أسلموا كموسى وهارون وداود وسليمان ومن كان بينهم من الأنبياء عليهم السلام ومن كان في أزمانهم من الربانيين والأحبار الذين لم يكونوا أنبياء بل كانوا حكاماً من قبل الأنبياء عليهم السلام ومن كان في أزمانهم من الربانيين والأحبار قبل حدوث التبديل‏.‏
هذا نص قولنا وليس في هذه الآية أنها لم تبدل بعد ذلك أصلاً لا بنص ولا بدليل‏.‏
وأما من ظن لجهله من المسلمين أن هذه الآية نزلت في رجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهوديين اللذين زنيا وهما محصنان فقد ظن الباطل وقال بالكذب وتأول المحال وخالف القرآن لأن الله تعالى قد نهى نبينا عليه السلام عن ذلك نصاً بقوله ‏"‏ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ‏"‏ قال أبو محمد رضي الله عنه فهذا نص كلام الله عز وجل الذي ما خالفه فهو باطل‏.‏
وأما قوله تعالى ‏"‏ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ‏"‏ فحق على ظاهره لأن الله تعالى أنزل فيه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباع دينه ولا يكونون أبداً حاكمين بما أنزل الله تعالى فيه إلا باتباعهم دين محمد صلى الله عليه وسلم فإنما أمرهم الله تعالى بالحكم بما أنزل في الإنجيل الذي ينتمون إليه فهم أهله ولم يأمرهم قط تعالى بما يسمى إنجيلاً وليس بإنجيل ولا أنزله الله تعالى كما هو قط والآية موافقة لقولنا وليس فيها أن الإنجيل لم يبدل لا بنص ولا بدليل إنما فيه إلزام النصارى الذين يتسمون بأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه وهم على خلاف ذلك‏.‏
وأما قوله تعالى ‏"‏ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ‏"‏ فحق كما ذكرناه قبل ولا سبيل لهم إلى إقامة التوراة والإنجيل المنزلين بعد تبديلهما إلا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل حقاً لإيمانهم بالمنزل فيهما وجحدهم ما لم ينزل فيهما وهذه هي إقامتهما حقاً‏.‏
وأما قوله تعالى ‏"‏ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم ‏"‏ فنعم هذا عموم قام البرهان على أنه مخصوص وأنه تعالى إنما أراد مصدقاً لما معكم من الحق لا يمكن غير هذا لأننا بالضرورة ندري أن معهم حقاً وباطلاً ولا يجوز تصديق الباطل ألبتة فصح أنه إنما أنزله تعالى مصدقاً لما معهم من الحق وقد قلنا أن الله تعالى أبقى في التوراة والإنجيل حقاً ليكون حجة عليهم وزائداً في خزيهم وبالله تعالى التوفيق فبطل تعلقهم بشيءٍ مما ذكرنا والحمد لله رب العالمين قال أبو محمد رضي الله عنه وبلغنا عن قوم من المسلمين ينكرون بجهلهم القول بأن التوراة والإنجيل اللذين بأيدي اليهود والنصارى محرفان وإنما حملهم على هذا قلة اهتبالهم بنصوص القرآن والسنن أترى هؤلاء ما سمعوا قول الله تعالى ‏"‏ يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ‏"‏ وقوله تعالى ‏"‏ وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ‏"‏ وقوله تعالى ‏"‏ وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ‏"‏ إلى آخر الآية وقوله تعالى ‏"‏ يحرفون الكلم عن مواضعه ‏"‏ ومثل هذا في القرآن كثير جداً‏.‏
ونقول لمن قال من المسلمين إن نقلهم نقل تواتر يوجب العلم وتقوم به الحجة لاشك في أنهم لا يختلفون في أن ما نقلوه من ذلك عن موسى وعيسى عليهما السلام لا ذكر فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم أصلاً ولا إنذاراً بنبوته فإن صدقهم هؤلاء القائلون في بعض نقلهم فواجب أن يصدقهم في سائره أحبوا أم كرهوا وإن كذبوهم في بعض نقلهم وصدقوهم في بعض فقد تناقضوا وظهرت مكابرتهم ومن الباطل أن يكون نقل واحدٌ جاء مجيئاً واحداً بعضه حق وبعضه باطل فقد تناقضوا وما ندري كيف يستحل مسلم إنكار تحريف التوراة والإنجيل وهو يسمع كلام الله عز وجل ‏"‏ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ‏"‏ وليس شيءٌ من هذا فيما بأيدي اليهود والنصارى مما يدعون أنه التوراة والإنجيل فلابد لهؤلاء الجهال من تصديق ربهم جل وعز أن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل فيرجعون إلى الحمق ويكذبوا ربهم جل وعز ويصدقوا اليهود والنصارى فيلحقوا بهم ويكون السؤال عليهم كلهم حينئذ واحداً فيما أوضحناه من تبديل الكتابين وما أوردناه مما فيهما من الكذب المشاهد عياناً مما لم يأت نص بأنهم بدلوهما لعلمنا بتبديلهما يقيناً كما نعلم ما نشهده بحواسنا مما لا نص فيه‏.‏
وقد اجتمعت المشاهدة والنص‏.‏
حدثنا أبو سعيد الجعفري‏.‏
حدثنا أبو بكر الأرفوي محمد بن علي المصري‏.‏
ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس‏.‏
ثنا أحمد بن شعيب عن محمد بن المثني عن عثمان بن عمر‏.‏
ثنا علي هو ابن المبارك‏.‏
ثنا يحيى بن أبي كثير عن سلمة عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏.‏
كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام بالعربية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا نص قولنا والحمد لله رب العالمين‏.‏
ما نزل القرآن والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتصديق صدقا به‏.‏
وما نزل النص بتكذيبه أو ظهر كذبه كذبنا به‏.‏
وما لم ينزل نص بتصديقه أو تكذيبه وأمكن أن يكون حقاً أو كذباً لم نصدقهم ولم نكذبهم وقلنا ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقوله كما قلنا في نبوة من لم يأتنا باسمه نص والحمد لله رب العالمين‏.‏
حدثنا البخاري‏.‏
ثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف‏.‏
أنا ابن شهاب بن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود قال ابن عباس‏.‏
كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم حدث تقرؤنه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله تعالى وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقد قالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً قال أبو محمد رضي الله عنه هذا أصح إسناد عن ابن عباس رضي الله عنه عنه وهو نفس قولنا وماله في ذلك من الصحابة مخالف‏.‏
وقد روينا أيضاً عن عمر رضي الله عنه أنه أتاه كعب الحبر بسفر وقال له هذه التوراة أفأقرؤها فقال له عمر بن الخطاب إن كنت تعلم أنها التي أنزل الله على موسى فاقرأها آناء الليل والنهار فهذا عمر لم يحققها قال أبو محمد رضي الله عنه ونحن إن شاء الله تعالى نذكر طرفاً يسيراً من كثير جداً من كلام أحبارهم الذين عنهم أخذوا كتابهم ودينهم وإليهم يرجعون في نقلهم لتوراتهم وكتب الأنبياء وجميع شرائعهم ليرى كل ذي فهم مقدارهم من الفسق والكذب فيلوح أنهم له كانوا كذابين مستخفين بالدين وبالله تعالى التوفيق‏.‏
ولقد كان يكفي من هذا إقرارهم بأنهم عملوا لهم هذه قال أبو محمد رضي الله عنه ذكر أحبارهم وهو في كتبهم مشهور لا ينكرونه عند من يعرف كتبهم أن إخوة يوسف إذ باعوا أخاهم طرحوا اللعنة على كل من بلغ إلى أبيهم حياة ابنه يوسف ولذلك لم يخبره الله عز وجل بذلك ولا أحد من الملائكة‏.‏
فأعجبوا لجنون أمة تعتقد أن الله خاف أن يقع عليه لعنة قوم باعوا النبي أخاهم وعقوا النبي أباهم أشد العقوق وكذبوا أعظم الكذب فوالله لو لم يكن في كتبهم إلا هذا الكذب وهذا الحمق وهذا الكفر لكانوا به أحمق الأمم وأكفرهم وأكذبهم فكيف ولهم ما قد ذكرنا ونذكر إن شاء الله تعالى‏.‏
وفي بعض كتبهم أن هارون عليه السلام قال لله تعالى إذ أراد أن يسخط على بني إسرائيل يا رب لا تفعل فلنا عليك ذمام وحق لأن أخي وأنا أقمنا لك مملكة عظيمة قال أبو محمد رضي الله عنه وهذه طامة أخرى حاشا لهارون عليه السلام أن يقول هذا الجنون أين هذا الهوس وهذه الرعونة من الحق النير إذ يقول تعالى ‏"‏ يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ‏"‏ وفي بعض كتبهم أن الصورتين اللتين أمر الله تعالى موسى أن يصورهما على التابوت خلف الحجلة في السرادق إنما كانتا صورة الله وصورة موسى عليه السلام معه تعالى الله عن كفرهم علواً كبيراً‏.‏
وفي بعض كتبهم أن الله تعالى قال لبني إسرائيل من تعرض لكم فقد تعرض حدقة عيني‏.‏
وفي بعض كتبهم أن علة تردد بني إسرائيل مع موسى في التيه أربعين سنة حتى ماتوا كلهم إنما كانت لأن فرعون كان بنى على طريق مصر إلى الشام صنماً سماه باعل صفون وجعله طلسماً لكل من هرب من مصر يحيره ولا يقدر على النفاد‏.‏
فأعجبوا لمن يجيز أن يكون طلسم فرعون يغلب الله تعالى ويجيز بتيه موسى ومن معه حتى يموتوا فأين كان فرعون عن هذه القوة إذ غرق في البحر‏.‏
وفي بعض كتبهم أن دينة بنت يعقوب عليها السلام إذ غصبها شكيم بن حمور وزنا بها حملت وولدت ابنة وأن عقاباً خطف تلك الفرخة الزنا وحملها إلى مصر ووقعت في حجر يوسف فرباها وتزوجها وهذه تشبه الخرافات التي يتحدث بها النساء بالليل إذا غزلن‏.‏
وفي بعض كتبهم أن يعقوب إنما قال في ابنه نفتال ايل مطلق لأنه قطع من قرية إبراهيم عليه السلام التي بقرب بيت المقدس إلى منف التي بمصر ورجع إلى قرية الخليل في ساعة من النهار لشدة سرعة لا لأن الأرض طويت له ومقدار ذلك مسيرة نيف وعشرين يوماً‏.‏
وفي بعض كتبهم مما لا يختلفون في صحته أن السحرة يحيون الموتى على الحقيقة وأن ههنا أسماءً لله تعالى ودعاء وكلاماً ومن عرفه من صالح أو فاسق أحال الطبائع وأتى بالمعجزات وأحيى الموتى وإن عجوزاً ساحرة أحيت لشاول الملك وهو طالوت شمؤال النبي بعد موته فليت شعري إذا كان هذا حقاً فما يؤمنهم أن موسى وسائر من يقرون بنبوته كانوا من أهل هذه الصفة ولا سبيل إلى فرق بين شيء من هذا أبداً‏.‏
وفي بعض كتبهم أن بعض أحبارهم المعظيمن عندهم ذكر لهم أنه رأى طائراً يطير في الهواء وأنه باض بيضة وقعت على ثلاث عشرة مدينة فهدمتها كلها‏.‏
وفي بعض كتبهم أن المرأة المدينة التي ذكر في التوراة التي زنى بها زمري بن خالو من سبط شمعون طعنه فنخاس بن العزار بن هارون برمحه فنفذه ونفذ المرأة تحته ثم رفعهما في رمحه إلى السماء كأنهما طائران في سفود وقال هكذا نفعل بمن عصاك قال كبير من أحبارهم معظم عندهم أنه كان تكسير عجز تلك المرأة مقدار مزرعة مدى خردل وفي كتبهم أن طول لحية فرعون كان سبعماية ذراع وهذه والله مضحكة تسلي الثكالى وترد الأحزان قال أبو محمد رضي الله عنه عن مثل هؤلاء فلينقل الدين وتباً لقوم أخذوا كتبهم ودينهم عن مثل هذا الرقيع الكذاب وأشباهه‏.‏
وفي بعض كتبهم المعظمة أن جباية سليمان عليه السلام في كل سنة كانت ستمائة ألف قنطار وستة وثلاثين ألف قنطار من ذهب وهم مقرون أنه لم يملك قط إلا فلسطين والأردن والغور فقط وأنه لم يملك قط رفج ولا غزة ولا عسقلان ولا صور ولا صيدا ولا دمشق ولا عمان ولا البلقا ولا مواب ولا جبال الشراة فهذه الجباية التي لو جمع كل الذهب الذي بأيدي الناس لم يبلغها من أين خرجت وقد قلنا أن الأحبار الذين عملوا لهم هذه الخرافات كانوا ثقالاً في الحساب وكان الحياء في وجوههم قليلاً جداً‏.‏
وذكورا أنه كان لمائدة سليمان عليه السلام في كل سنة إحدى عشر ألف ثور وخمسمائة ثور وزيادة وستة وثلاثين ألف شاة سوى الإبل والصيد فانظروا ماذا يكفي لحوم من ذكرنا من الخبز وقد ذكروا عدداً مبلغه ستة آلاف مدى في العام لمائدته خاصة واعلموا أن بلاد بني إسرائيل تضيق عن هذه النفقات هذا مع قولهم أنه عليه السلام كان يهدي كل سنة ثلثي هذا العدد من برٍ ومثله من زيت إلى ملك صور فليت شعري لأي شيء كان يهاديه بذلك هل ذلك إلا لأنه كفؤه ونظيره في الملك وهذه كلمات كذبات ورعونة لا خفاء بها وأخبار متناقضة‏.‏
وذكروا أنه كانت توضع في قصر سليمان عليه السلام كل يوم مائة مائدة ذهب على كل مائدة مائة صفحة ذهب وثلاثمائة طبق ذهب على كل طبق ثلاثمائة كأس ذهب فأعجبوا لهذه الكذبات الباردة‏.‏
واعلموا أن الذي عملها كان ثقيل الذهن في الحساب مقصراً في علم المساحة لأنه لا يمكن أن يكون قطر دائرة الصفحة أقل من شبر وإن لم تكن كذلك فهي صحيفة لا صحفة طعام ملك فوجب ضرورة أن تكون مساحة كل مائدة من تلك الموائد عشرة أشبار في مثلها لا أقل سوى حاشيتها وأرجلها‏.‏
واعلموا أن مائدة من ذهب هذه صفتها لا يمكن ألبتة أن يكون في كل مائدة من تلك الموائد أقل من ثلاثة آلاف رطل ذهب فمن يرفعها ومن يضعها ومن يغسلها ومن يمسحها ومن يديرها فهذا الذهب كله وذا الأطباق من أين‏.‏
فإن قيل أنتم تصدقون بأن الله تعالى أتاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وأن الله سخر له الريح والجن والطير وعلمه منطق الطير والنمل وأن الريح كانت تجري بأمره وأن الجن كانوا يعملون له المحاريب والتماثيل والجفان والقدور‏.‏
قلنا نعم ونكفر من لم يؤمن بذلك وبين الأمرين فرق واضح وهو أن الذي ذكرت مما نصدق به نحن هو من المعجزات التي تأتي بمثلها الأنبياء عليهم السلام داخل كله تحت الممكن في بنية العالم والذي ذكروه هو خارج عن هذا الباب داخل في حد الكذب والامتناع في بنية العالم‏.‏
وفي بعض كتبهم المعظمة عندهم إن زارح ملك السودان غزا بيت المقدس في ألف ألف مقاتل وأن اسابن ابنا الملك خرج إليه في ثلاثمائة ألف مقاتل من بين يهوذا وخمسين ألف مقاتل من بني بنيامين فهزم السودان‏.‏
وهذا كذب فاحش ممتنع لأن من أقرب موضع من بلد السودان وهم النوبة إلى مسقط النيل في البحر نحو مسيرة ثلاثين يوماً‏.‏
ومن مسقط النيل إلى بيت المقدس نحو عشرة أيام صحارى ومفاوز ألف ألف مقاتل لا تحملهم إلا البلاد المعمورة الواسعة وأما الصحارى الجرد فلا ثم في مصر جميع أعمال مصر فكيف يخطوها إلى بيت المقدس هذا ممتنع في رتبة الجيوش وسيرة الممالك ومن البعيد أن يكون عند ملك السودان حيث يتسع بلدهم ويكثر عددهم اسم بيت المقدس فكيف أن يتكلفوا غزوها لبعد تلك البلاد عن النوبة وأما بلد النوبة والحبشة والبجاة فصغير الخطة قليل العدد وإنما هي خرافات مكذوبة باردة وفي كتاب لهم يسمى شعر توما من كتاب التلموذ والتلموذ هو معولهم وعمدتهم في فقههم وأحكام دينهم وشريعتهم وهو من أقوال أحبارهم بلا خلاف من أحد منهم ففي الكتاب المذكور أن تكسير جبهة خالقهم من أعلاها إلى أنفه خمسة آلاف ذراع حاش لله من الصور والمساحات والحدود والنهايات‏.‏
وفي كتاب آخر من التلموذ يقال له سادرناشيم ومعناه تفسير أحكام الحيض أن في رأس خالقهم تاجا فيه ألف قنطار من ذهب وفي اصبعه خاتم تضيء منه الشمس والكواكب وأن الملك الذي يخدم ذلك التاج اسمه صندلفوت تعالى الله عن هذه الحماقات‏.‏
ومما أجمع عليه أحبارهم لعنهم الله أن من شتم الله تعالى وشتم الأنبياء يؤدب ومن شتم الأحبار يموت أي يقتل‏.‏
فاعجبوا لهذا واعلموا أنهم ملحدون لا دين لهم يفضلون أنفسهم على الأنبياء عليهم السلام وعلى الله عز وجل ومن الأحبار فعليهم ما يخرج من أسافلهم وفيما سمعنا علماءهم يذكرونه ولا يتناكرونه معنى أن أحبارهم الذين أخذوا عنهم دينهم والتوراة وكتب الأنبياء عليهم السلام اتفقوا على أن رشوا بولس البنياميني لعنه الله وأمروه بإظهار دين عيسى عليه السلام وأن يضل أتباعهم ويدخلهم إلى القول بالإهيته وقالوا له نحن نتمحل إثمك في هذا ففعل وبلغ من ذلك حيث قد ظهر‏.‏
واعلموا يقيناً أن هذا عمل لا يستسهله ذو دين أصلاً ولا يخلو أتباع المسيح عليه السلام عند أولئك الأحبار لعنهم الله من أن يكونوا على حق أو على باطل لابد من أحدهما‏.‏
فإن كانوا عندهم على حق فكيف استحلوا ضلال قوم محقين وإخراجهم عن الهدى والدين إلى الضلال المبين هذا والله لا يفعله مؤمن بالله تعالى أصلاً‏.‏
وإن كانوا عندهم على ضلال وكفر فحسبهم ذلك منهم وإنما يسعى المؤمن ليهدي الكافر والضال وإما أن يقوي بصيرته في الكفر ويفتح له فيه أبواباً أشد وأفحش مما هو عليه فهذا لا يفعله أيضاً من يؤمن بالله تعالى قطعاً ولا يفعله إلا ملحد يريد يسخر بمن سواه فعن هؤلاء أخذوا دينهم وكتب أنبيائهم بإقرارهم‏.‏
فأعجبوا لهذا وهذا أمر لا نبعده عنهم لأنهم قد راموا ذلك فينا وفي ديننا فبعد عليهم بلوغ إربهم من ذلك وذلك بإسلام عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوء اليهودي الحميري لعنه الله ليضل من أمكنه من المسلمين فنهج لطائفة رذلة كانوا يتشيعون في علي رضي الله عنه أن يقولوا بإلهية علي ونهج بولس لاتباع المسيح عليه السلام من أن يقولوا بإلهيته وهم الباطنية والغالية إلى اليوم وأخفهم كفراً الإمامية على جميعهم لعائن الله تترى وأشنع من هذا كله نقلهم الذي لا تمانع بينهم فيه عن كثير من أحبارهم المتقدمين الذين عنهم أخذوا دينهم ونقل توراتهم وكتب الأنبياء بأن رجلاً اسمه إسماعيل كان إثر خراب البيت المقدس سمع الله تعالى يئن كما تئن الحمامة ويبكي وهو يقول الويل لمن أخرب بيته وضعضع ركنه وهدم قصره وموضع سكينته ويلي على ما أخربت من بيتي ويلي على ما فرقت من بني وبناتي فأمتي منكسة حتى أبني بيتي وأردد إليه بني وبناتي‏.‏
قال هذا النذل الموسخ ابن الأنذال إسماعيل فأخذ الله تعالى بثيابي وقال لي أسمعتني يا بني يا إسماعيل قلت لا يا رب فقال لي يا بني يا إسماعيل بارك علي قال الجيفة المنتنة فباركت عليه ومضيت قال أبو محمد رضي الله عنه لقد هان من بالت عليه الثعالب والله ما في الموجودات أرذل ولا أنتن ممن احتاج إلى بركة هذا الكلب الوضر فأعجبوا لعظيم ما انتظمت هذه القصة عليه من وجوه الكفر الشنيع‏.‏
فمنها أخباره عن الله تعالى أن يدعو على نفسه بالويل مرة بعد مرة الويل حقاً على من يصدق بهذه القصة وعلى الملعون الذي أتى بها‏.‏
ومنها وصفه الله تعالى بالندامة على ما فعل وما الذي دعاه إلى الندامة أتراه كان عاجزاً هذا عجب آخر وإذا كان نادماً على ذلك فلم تمادى على تبديدهم وإلقاء النجس عليهم حتى يبلغ ذلك إلى إلقاء الحكة في أدبارهم كما نص في آخر توراتهم ما في العالم صفة أحمق من صفة من يتمادى على من يندم عليه هذه الندامة‏.‏
ومنها وصفه الله تعالى بالبكاء والأنين‏.‏
ومنها وصفه لربه تعالى بأنه لم يدر هل سمعه أم لا حتى سأله عن ذلك ثم أظرف شيء إخباره عن نفسه بأنه أجاب بالكذب وأن الله تعالى قنع بكذبه وجاز عنده ولم يدر أنه كاذب‏.‏
ومنها كونه بين الخرب وهي مأوى المجانين من الناس وخساس الحيوان كالثعالب والقطط البرية ونحوهما‏.‏
ومنها وصفه الله تعالى بتنكيس القامة‏.‏
ومنها طلبه البركة من ذلك المنتن ابن المنتنة والمنتن وبالله الذي لا إله إلا هو ما بلغ قط ملحد ولا مستخف هذه المبالغة الذي بلغها هذا اللعين ومن يعظمه وبالله تعالى نتأيد ولولا ما وصفه الله تعالى من كفرهم وقولهم يد الله مغلولة والله فقير ونحن أغنياء ما انطلق لنا لسان بشيء مما أوردنا ولكن سهل علينا حكاية كفرهم ما ذكره الله تعالى لنا من ذلك ولا أعجب من أخبار هذا الكلب لعنه الله عن نفسه بهذا الخبر فإن اليهود كلهم يعني الربانيين منهم مجمعون على الغضب على الله وعلى تلعيبه وتهوين أمره عز وجل فإنهم يقولون ليلة عيد الكبور وهي العاشرة من تشرين الأول وهي أكتوبر يقوم الميططرون ومعنى هذه اللفظة عندهم الرب الصغير تعالى الله عن كفرهم قال ويقول وهو قائم ينتف شعره ويبكي قليلاً قليلاً ويلي إذ خربت بيتي وأيتمت بني وبناتي فأمتي منكسة لا أرفعها حتى أبني بيتي وأردد إليه بني وبناتي ويردد هذا الكلام‏.‏
واعلموا أنهم أفردوا عشرة أيام من أول أكتوبر يعبدون فيه رباً آخر غير الله عز وجل فحصلوا على الشرك المجرد‏.‏
واعلموا أن الرب الصغير الذي أفردوا له الأيام المذكورة يعبدونه فيها من دون الله عز وجل هو عندهم صندلفون الملك خادم التاج الذي في رأس معبودهم وهذا أعظم من شرك النصارى‏.‏
ولقد وقفت بعضهم على هذا فقال ليس ميططرون ملك من الملائكة‏.‏
فقلت وكيف يقول ذلك الملك ويلي على ما خربت من بيتي وفرقت بني وبناتي وهل فعل هذا إلا الله عز وجل‏.‏
فإن قالوا تولى ذلك الملك ذلك الفعل بأمر الله تعالى‏.‏
قلنا فمن المحال الممتنع ندامة الملك على ما فعله بأمر الله تعالى هذا كفر من الملك لو فعله فكيف إن يحمد ذلك منه وكل هذا إنما هو تحيل منهم عند صك وجوههم بذلك‏.‏
وإلا فهم فيه قسمان‏.‏
قسم يقول أنه الله تعالى نفسه فيصغرونه ويحقرونه ويعيبونه‏.‏
وقسم يقول أنه رب آخر دون الله تعالى‏.‏
واعلموا أن اليهود يقومون في كنائسهم أربعين ليلة متصلة من إيلول وتشرين الأول وهما ستنبر وأكتوبر فيصيحون ويولولون بمصائب‏.‏
منها قولهم لأي شيءٍ تسلمنا يا الله هكذا ولنا الدين القيم والأثر الأول لم يا الله تتصمم عنا وأنت تسمع وتعمى وأنت مبصر هذا جزآ من تقدم إلى عبوديتك وبدر إلى الإقرار بك لم يا الله لا تعاقب من يكفر النعم ولا تجازي بالإحسان ثم تبخسنا حظنا وتسلمنا لكل معتد وتقول إن أحكامك عدلة‏.‏
فأعجبوا لوغادة هؤلاء الأوباش ولرذللة هؤلاء الأنذال الممتنين على ربهم عز وجل المستخفين به وبملائكته وبرسله وتالله ما بخسهم ربهم حظهم وما حقهم إلا الخزي في الدنيا والخلود في النار في الآخرة وهو تعالى موفيهم نصيبهم غير منقوص واحمدوا الله على عظيم منته علينا بالإسلام الملة الزهراء التي صححتها العقول وبالكتاب المنزل من عنده تعالى بالنور المبين والحقائق الباهرة نسأل الله تثبيتنا على ما منحنا من ذلك بمنه إلى أن نلقاه مؤمنين غير مغضوب علينا ولا ضالين قال أبو محمد رضي الله عنه هنا انتهى ما أخرجناه من توراة اليهود وكتبهم من الكذب الظاهر والمناقضات اللائحة التي لا شك معه في أنها كتب مبدلة محرفة مكذوبة وشريعة موضوعة مستعملة من أكابرهم ولم يبق بأيديهم بعد هذا شيء أصلاً ولا بقي في فساد دينهم شبهة بوجه من الوجوه والحمد له رب العالمين‏.‏
وإياكم أن يجوز عليكم تمويه من يعارضكم بخرافة أو كذبة فإننا لا نصدق في ديننا بشيء أصلاً إلا ما جاء في القرآن أو ما صح بإسناد الثقات ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وما عدا هذا فنحن نشهد أنه باطل واعلموا أننا لم نكتب من فضائحهم إلا قليلاً من كثير ولكن فيما كتبنا كفاية قاطعة في بيان فساد كل ما هم عليه وبالله تعالى التوفيق تم الجزؤ الأول من فصل الملل ويليه الجزؤ الثاني أوله قال أبو محمد رضي الله عنه وأما الإنجيل وكتب النصارى فنحن إن شاء الله إلى آخره
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو محمد وأما الإنجيل وكتب النصارى فنحن إن شاء الله تعالى موردون من الكذب المنصوص في أناجيلهم ومن التناقض الذي فيها أمراً لا يشك كل من رأه في أنهم لا عقول لهم وأنهم مخذولون جملة وأما فساد دينهم فلا إشكال فيه على من له مسكة عقل ولسنا نحتاج إلى تكلف برهان في أن الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله عز وجل ولا من عند المسيح عليه السلام كما احتجنا إلى ذلك في التوراة والكتب المنسوبة إلى الأنبياء عليهم السلام التي عند اليهود لأن جمهور اليهود يزعمون أن التوراة التي بأيديهم منزلة من عند الله عز وجل على موسى عليه السلام فاحتجنا إلى إقامة البرهان على بطلان دعواهم في ذلك وأما النصارى فقد كفونا هذه المؤنة كلها لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله على المسيح ولا أن المسيح أتاهم بها بل كلهم أولهم عن آخرهم ريوسيهم ومليكهم ونسطوريهم ويعقوبهم ومارونيهم وبولقانيهم لا يختلفون من أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة فأولها تاريخ ألفه متى اللاواني تلميذ المسيح بعد تسع سنين من رفع المسيح عليه السلام وكتبه بالعبرانية في بلد يهوذا بالشام يكون نحو ثمان وعشرين ورقة بخط متوسط والآخر تاريخ ألفه مارقش الهاروني تلميذ شمعون الصفا بن توما المسمى باطرة بعد اثنين وعشرين عاماً من رفع المسيح عليه السلام وكتبه باليونانية في بلد أنطاكية من بلاد الروم ويقولون أن شمعون المذكور هو ألفه ثم محى اسمه من أوله ونسبه إلى تلميذه مارقش يكون أربعاً وعشرين ورقة بخط متوسط وشمعون المذكور تلميذ المسيح‏.‏
والثالث تاريخ ألفه لوقا الطبيب الأنطاكي تلميذ شمعون باطرة أيضاً كتبه باليونانية في بلد أقاية بعد تأليف مارقش المذكور يكون من قدر إنجيل متى‏.‏
والرابع تاريخ ألفه يوحنا ابن سيذاي من تلميذ المسيح بعد رفع المسيح ببضع وستين سنة وكتبه باليونانية في بلد اشينية يكون أربعاً وعشرين ورقة بخط متوسط ويوحنا هذا نفسه هو ترجم إنجيل متى صاحبه من العبرانية إلى اليونانية ثم ليس للنصارى كتاب قديم يعظمونه بعد الأناجيل الأربعة إلا الافركسيس وهو كتاب ألفه لوقا الطبيب المذكور في أخبار الحواريين وأخبار صاحبه بولس البنياميني وسيرهم وقتلهم يكون نحو خمسين ورقة بخط مجموعة وكتاب الوحي والإعلان ألفه يوحنا ابن سيذاي المذكورو هو كتاب في غاية السخف والركاكة ذكر فيه ما رآه في الأحلام وإذ أسري به وخرافات باردة والرسائل القانونية وهي سبع رسائل فقط منها ثلاث رسائل ليوحنا ابن سيذاي المذكور ورسالتان لباطرة شمعون المذكور ورسالة واحدة ليعقوب ابن يوسف النجار والأخرى لأخيه يهوذا ابن يوسف تكون كل رسالة من ورقة إلى ورقتين في غاية البرد والغثاثة ورسائل بولس تلميذ شمعون باطرة وهي خمس عشرة رسالة تكون كلها نحو أربعين ورقة مملوءة حمقاً ورعونة وكفراً ثم كل كتاب لهم بعد ذلك فلا خلاف بينهم في أنه تأليف المتأخرين من أساقفتهم وبطارقتهم كمجامع البطارقة والأساقفة الكبار الستة وسائر مجامعهم الصغار وفقههم في أحكامهم الذي عمله ركديد الملك وبه يعمل نصارى الأندلس ثم لسائر النصارى أحكام أيضاً عملها لهم من شاء الله أن يعملها من أساقفتهم لا يختلفون في هذا كله أنه كما قلنا ثم أخبار شهدائهم فقط فجميع نقل النصارى أوله عن آخره حيث كانوا فهو راجع إلى الثلاثة الذي سمينا فقط وهم بولس ومارقش ولوقا وهؤلاء الثلاثة لا ينقلون إلا عن خمسة فقط وهم باطرة ومتى ويوحنا ويعقوب ويهوذا ولا مزيد وكل هؤلاء فأكذب البرية وأخبثهم على ما نبين بعد ذلك إن شاء الله تعالى على أن بولس حكى في الافركسيس وفي إحدى رسائله أنه لم يبق مع باطرة إلا خمسة عشر يوماً ثم لقيه مرة أخرى بقي معه أيضاً يسيراً ثم لقيه الثالثة فأخذا جميعاً وصلبا إلى لعنة الله إلا أن الأناجيل الأربعة والكتب التي ذكرنا أن عليها معتمدهم فإنها عند جميع فرق النصارى في شرق الأرض وغربها على نسخة واحدة ورتبة واحدة لا يمكن أحد أن يزيد فيها كلمة واحدة ولا ينقص منها أخرى إلا افتضح عند جميع النصارى مبلغة كما هي إلى مارقش ولوقا ويوحنا لأن يوحنا هو الذي نقل إنجيل متى عن متى ورسائل بولس مبلغة كذلك إلى بولس واعلموا أن أمر النصارى أضعف من أمر اليهود بكثير لأن اليهود كانت لهم مملكة وجمع عظيم مع موسى عليه السلام وبعده وكان فيهم أنبياء كثير ظاهرون آمرون مطاعون كموسى ويوشع وشموال وداود وسليمان عليهم السلام وإنما دخلت الداخلة في التوراة بعد سليمان عليه السلام إذ ظهر فيهم الكفر وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء وحرق التوراة ونهب البيت مرة بعد مرة فاتصل كفر جميعهم إلى أن تلفت دولتهم على ذلك وأما النصارى فلا خلاف بين أحد منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مائة وعشرون رجلاً فقط هكذا في الافركسيس ونسوة منهم امرأة وكيل هردوس وغيرها كن ينفقن عليه أموالهن هكذا في نص إنجيلهم وإن كل من آمن به فإنهم كانوا مستترين مخافين في حياته وبعده يدعون إلى دينه سراً ولا يكشف أحد منهم وجهه إلى الدعاء إلى ملته ولا يظهر دينه وكل من ظفر به منهم قتل إما بالحجارة كما قتل يعقوب ابن يوسف النجار واشطيبن الذي يسمونه بكر الشهداء وغيره وإما صلب كما صلب باطرة وأندرياس أخوه وشمعون أخو يوسف النجار وفليش وبولس وغيرهما أو قتلوا بالسيف كما قتل يعقوب أخو يوحنا وطومار وبرتلوما ويهوذا بن يوسف النجار ومتى أو بالسم كما قتل يوحنا ابن سيذاي فبقوا على هذه الحالة لا يظهرون البتة ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثماية سنة بعد رفع المسيح عليه السلام وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله عز وجل إلا فصولاً يسيراً أبقاها الله تعالى حجة عليهم وخزياً لهم فكانوا كما ذكرنا إلى أن تنصر قسطنطين الملك فمن حينئذ ظهر النصارى وكشفوا دينهم واجتمعوا وكان سبب تنصره أن أمه هلاني كانت بنت نصراني فعشقها أبوه وتزوجها فولدت له قسطنطين فربته على النصرانية سراً فلما مات أبوه وولي هو أظهر النصرانية بعد أعوام كثيرة من ولايته ومع ذلك فما قدر على إظهارها حتى رحل عن رومية مسيرة شهراً إلى القسطنطينية وبناها ومع ذلك فإنما كان أريوسياً هو وابنه بعده يقولان إن المسيح عبد مخلوق نبي لله تعالى فقط وكل دين كان هكذا فمحال أن يصح فيه نقل متصل لكثرة الدواخل الواقعة فيما لا يؤخذ إلا سراً تحت السيف لا يقدر أهله على حمايته ولا على المنع من تبديله ثم لما ظهر دينهم تنصر قسطنطين كما ذكرنا فشا فيهم دخول المنانية بغتة وكان فيهم غير منانية مدلسون عليهم فأمكنهم بهذا أن يدخلوهم من الضلال فيما أحبوا ولا تمكنوا البتة أن ينقل أحد عن شمعون باطرة ولا عن يوحنا ولا عن متى ولا عن مارقش ولا عن لوقا ولا عن بولس آية ظاهرة ولا معجزة باهرة لما ذكرنا من أنهم كانوا مستترين مختفين مظاهرين بدين اليهود من التزام السبت وغيره طول حياتهم إلى أن ظفر بهم فقتلوا فكلما تضيفه النصارى إلى هؤلاء من المعجزات فأكذوبات موضوعة لا يعجز عن ادعاء مثلها أحد كالذي تدعي اليهود لأحبارهم ورؤس مثانيهم وكالذي تدعيه المنانية لماني سواء بسواء وكالذي تدعيه الروافض لمن يعظمون وكالذي تدعيه طوائف من المسلمين لقوم صالحين كإبراهيم ابن أدهم وأبي مسلم الخولاني وشيبان الراعي وغيرهم وكل هذا كذب وإفك وتوليد لأن كل من ذكرنا فإنما نقله راجع إلى من لا يدري ولا يقوم بكلامه حجة ولا صح برهان سمعي ولا عقلي بصدقه وهكذا كان أصحاب ماني مع ماني إلا أنه ظهر نحو ثلاثة أشهر إذ مكر به بهرام بن بهرام الملك وأوهمه أنه قد آمن به حتى ظفر بجميع أصحابه فصلب ماني وصلبهم كلهم إلى لعنة الله فكل معجزة لم تنقل نقلاً يوجب العلم الضروري كافة عن كافة حتى يبلغ إلى المشاهدة فالحجة لا يقوم بها على أحد ولا يعجز عن توليدها من لا يقوم له‏.‏
قال أبو محمد معتمد النصارى كله الذي لا معتمد لهم غيره من قولهم بالتثليث وأن المسيح إله وابن الله واتحاد اللاهوتية بالناسوتية والتحامه به إنما هو كله على أناجيلهم وعلى ألفاظ تعلقوا بها مما في كتب اليهود كالزبور وكتاب أشعيا وكتاب أرميا وكلمات يسيرة من التوراة وكتاب سليمان وكتاب زخريا قد نازعتهم اليهود في تأويلها فحصلت دعوى مقابلة لدعوى وما كان فهو باطل وموهوا بأن التوراة وكتب الأنبياء بأيديهم وبأيدي اليهود سواء لا يختلفون فيها ليصححوا نقل اليهود لسواد تلك الكتب ثم يجعلوا تلك الألفاظ التي فيها الحجة في دعواهم وتأويلهم ليس بأيديهم حجة غير هذا أصلاً ولا جملة سوى هذه وقد أوضحنا بحول الله تعالى وقوته فساد أعيان تلك الكتب وأوضحنا أنها مفتعلة مبدلة لكثرة ما فيها من الكذب وأوضحنا أيضاً فساد نقلها وانقطاع الطريق منهم إلى من نسب إليه تلك الكتب بما لا يمكن أحداً دفعه البتة بوجه من الوجوه وبينا آنفاً بحول الله تعالى وقوته فساد نقل النصارى جملة وإقرارهم بأن أناجيلهم ليست منزلة ولكنها كتب مؤلفة لرجال ألفوها فبطل كل تعلق لهم والحمد لله رب العالمين ثم نورد إنشاء الله تعالى تكذيبهم في دعواهم أن التوراة عند اليهود وعندهم سواء ونورد ما يخالفون فيه نص التوراة التي بأيدي اليهود حتى يلوح لكل أحد كذب دعواهم الظاهرة من تصديقهم لنصوص التوراة التي عند اليهود ونرى تكذيبهم لنصوصها فيبطل بذلك تعلقهم بما فيها وبما في نقل اليهود إذ لا يصح لأحد الاحتجاج بتصحيح ما يكذب ثم نذكر بعون الله عز وجل مناقضات الأناجيل والكذب الفاحش المفضوح الموجود في جميعها وبالله تعالى التوفيق فيرتفع الإشكال في ذلك جملة ويستوي في معرفة بطلان كل ما بأيدي الطائفتين كل من اغتر بكتمانهم لما فضحناه منا ومنهم من الخاصة والعامة ومن سائر الملل أيضاً ويصح عند كل من طالع كلامنا هذا أن الذين كتبوا الأناجيل وألفوها كانوا كذابين مجاهرين بالكذب لتكاذبهم فيما أوردوه فيها من الأخبار وأنهم كانوا مستخفين مهلكين لمن اغتر بهم والحمد لله رب العالمين على عظيم نعمته علينا بالإسلام السالم من كل غش البري من كل توليد الوارد من عند الله عز وجل لا من عند أحد دونه ذكر ما تثبته النصارى بخلاف نص التوراة وتكذيبهم لنصوصها التي بأيدي اليهود وادعاء بعض علماء النصارى أنهم اعتمدوا في ذلك على التوراة التي ترجمها السبعون شيخاً لبطليموس لا على كتب عزراء الوراق واليهود مؤمنون بكلتي النسختين والخلاف عند النصارى موجود فيها قال أبو محمد في توراة اليهود التي لا اختلاف فيها بين الربانية والعانانية والعيسوية منهم لما عاش آدم ثلاثين سنة ومائة سنة ولد له ولد كشبهه وجنسه وسماه شيث وعند النصارى بلا اختلاف بين أحد منهم ولا من جميع فرقهم لما أتى على آدم مائتان وثلاثون سنة ولد له شيث وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا لما عاش شيث خمس سنين ومائة سنة ولد أنيوش وعند النصارى كلهم لما عاش شيث مايتي سنة وخمس سنين ولد أنيوش وفي التوراة عند التي اليهود كما ذكرنا أن أنيوش لما عاش تسعين سنة ولد قينان وعند النصارى كلهم أن أنيوش لما عاش تسعين سنة وماية سنة ولد قينان وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا أن قينان لما عاش سبعين سنة ولد مهلال وعند النصارى كلهم أن قينان لما عاش ماية سنة وسبعين سلنة ولد مهلال وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا أن مهلال لما بلغ خمساً وستين سنة ولد يارد وعند النصارى كلهم أن مهلال لما بلغ مائة سنة وخمساً وستين سنة ولد يارد واتفقت الطائفتان في عمر يارد إذ ولد له خنوخ وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا أن خنوخ لما بلغ خمساً وستين سنة ولد متوشالخ وأن جميع عمر خنوخ كان ثلاثمائة سنة وخمساً وستين سنة وعند النصارى كلهم أن خنوخ لما بلغ مائة سنة وخمساً وستين سنة ولد متوشالخ وأن جميع عمر خنوخ كان خمس مائة سنة وخمساً وستين سنة ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين أحدهما سن خنوخ إذ ولد له متوشالخ والثانية كمية عمر خنوخ واتفقت الطائفتان على عمر متوشالخ إذ ولد له لامخ وعلى عمر لامخ إذ ولد له نوح وعلى عمر نوح إذ ولد له سام وحام ويافث وعلى عمر سام إذ ولد له أرفخشاذ وفي التوراة التي عند اليهود كما ذكرنا أن أرفخشاذ لما بلغ خمساً وثلاثين سنة ولد له شالخ وأن عمر أرفخشاذ كان أربعمائة سنة وخمساً وثلاثين سنة وعند النصارى كلهم أن أرفخشاذ لما بلغ مائة سنة وخمساً وثلاثين سنة ولد له قينان وأن عمر أرفخشاذ كان أربعمائة سنة وخمساً وستين سنة وأن قينان لما بلغ مائة سنة وثلاثين سنة ولد له شالخ فبين الطائفتين في هذا الفصل وحده اختلاف في ثلاثة مواضع أحدهما عمر أرفخشاذ جملة والثاني سن أرفخشاذ إذ ولد له ولده والثالث زيادة النصارى بين أرفخشاذ وشالخ قينان وإسقاط اليهود له وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن شالخ لما بلغ ثلاثين سنة ولد له عابر وأن عمر شالخ كان أربعمائة سنة وثلاثين سنة وعند النصارى كلهم أن شالخ لما بلغ مائة وثلاثين سنة ولد له عابر وأن عمر شالخ كله كان أربعمائة سنة وستين سنة ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين أحدهما سن شالخ إذ ولد له عابر والثاني كمية عمر شالخ وعند اليهود كما ذكرنا في التوراة أن فالغ إذ بلغ ثلاثين سنة ولد له راغوا وعند النصارى كلهم أن فالغ لما بلغ مائة وثلاثين سنة ولد له راغوا وفي توراة اليهود كما ذكرنا أن راغوا لما بلغ اثنين وثلاثين سنة ولد له شاروع وعند النصارى كلهم أن راغوا لما بلغ مائة سنة واثنين وثلاثين سنة ولد له شاروع وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن شاروع إذ بلغ ثلاثين سنة ولد له ناحور وكان عمر شاروع كله مائتي عام وثلاثين عاماً وعند النصارى كلهم أن شاروع إذ بلغ ثلاثين سنة ومائة سنة ولد له ناحور وأن عمر شاروع كله كان ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة ففي هذا الفصل بين الطائفتين تكاذب في موضعين أحدهما عمر شاروع جملة والثاني سن شاروع إذ ولد له ناحور وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن ناحور لما بلغ تسعاً وعشرين سنة ولد له تارخ وأن عمر ناحور كله كان مائة سنة وثمانياً وأربعين سنة وعند النصارى كلهم أن ناحور لما بلغ تسعاً وسبعين سنة ولد له تارخ وأن عمر ناحور كله كان مائتي عام وثمانية أعوام ففي هذا الفصل تكاذب بين الطائفتين في موضعين أحدهما عمر ناحور كله والثاني سن ناحور إذ ولد له تارخ وفي التوراة عند اليهود كما ذكرنا أن تارخ كان عمره كله مائتي عام وخمسة أعوام وعند النصارى كلهم أن تارخ كان عمره كله مائتي عام وثمانية أعوام قال أبو محمد فتولد من الاختلاف المذكور بين الطائفتين زيادة عن ألف عام وثلاثمائة عام وخمسين عاماً عند النصارى في تاريخ الدنيا على ما هو عند اليهود في تاريخها وهي تسعة عشر موضعاً كما أوردنا فوضح اختلاف التوراة عندهم ومثل هذا من التكاذب لا يجوز أن يكون من عند الله عز وجل أصلاً ولا من قول نبي البتة ولا من قول صادق عالم من عرض الناس فبطل بهذا بلا شك أن تكون التوراة وتلك الكتب منقولة نقلاً يوجب صحة العلم لكن نقلاً فاسداً مدخولاً مضطرباً ولابد للنصارى ضرورة من أحد خمسة أوجه لا مخرج لهم عن أحدها إما أن يصدقوا نقل اليهود للتوراة وأنها صحيحة عن موسى عن الله تعالى ولكتبهم وهذه طريقتهم في الحجاج والمناظرة فإن فعلوا فقد أقروا على أنفسهم وعلى أسلافهم الذين نقلهم عنهم دينهم بالكذب إذ خالفوا قول الله تعالى وقول موسى عليه السلام أو يكذبوا موسى عليه السلام فيما نقل عن الله عز وجل وهم لا يفعلون هذا أو يكذبوا نقل اليهود للتوراة ولكتبهم فيبطل تعلقهم بما في تلك الكتب مما يقولون أنه إنذار بالمسيح عليه السلام إذ لا يجوز لأحد أن يحتج بما لا يصح نقله أو يقولوا كما قال بعضهم إنهم إنما عولوا فيما عندهم على ترجمة السبعين شيخاً الذين ترجموا التوراة وكتب الأنبياء عليهم السلام لبطليموس فإن قالوا هذا فإنهم لا يخلون ضرورة من أحد وجهين إما أن يكونوا صادقين في ذلك أو يكونوا كاذبين في ذلك فإن كانوا كاذبين في ذلك فقد سقط أمرهم والحمد لله رب العالمين إذ لم يرجعوا إلا إلى المجاهرة بالكذب وإن كانوا صادقين في ذلك فقد حصلت توراتان متخالفتان متكاذبتان متعارضتان توراة السبعين شيخاً وتوراة عزراء ومن الباطل الممتنع كونهما جميعاً حقاً من عند الله واليهود والنصارى كلهم مصدق مؤمن بهاتين التوراتين معاً سوى توراة السامرية ولابد ضرورة من أن تكون إحداهما حقاً والأخرى مكذوبة فأيهما كانت المكذوبة فقد حصلت الطائفتان على الإيمان بالباطل ضرورة ولا خير في أمة تؤمن بيقين الباطل وإن كانت توراة السبعين شيخاً هي المكذوبة فلقد كانوا شيوخ سوء كذابين ملعونين إذ حرفوا كلام الله تعالى وبدلوه ومن هذه صفته فلا يحل أخذ الدين عنه ولا قبول نقله وإن كانت توراة عزراء هي المكذوبة فقد كان كذاباً إذ حرف كلام الله تعالى ولا يحل أخذ شيء من الدين عن كذاب ولابد من أحد الأمرين أو يكون كلاهما كذباً وهذا هو الحق اليقين الذي لا شك فيه لما قدمنا مما فيها من الكذب الفاضح الموجب للقطع بأنها مبدلة محرفة وسقطت الطائفتان معاً وبطل دينهم الذي إنما مرجعه إلى تلك الكتب المكذوبة ونعوذ قال أبو محمد فتأملوا هذا الفصل وحده ففيه كفاية في تيقن بطلان دين الطائفتين فكيف بسائر ما أوردنا إذا استضاف إليه وفي التوراة عند اليهود وعند النصارى اختلاف آخر اكتفينا منه بهذا القدر والحمد لله رب العالمين على عظيم نعمته علينا بالإسلام المنقول نقل الكواف إلى رسول الله المعصوم صلى الله عليه وسلم البريء من كل كذب ومن كل محال الذي تشهد له العقول بالصحة والحمد لله رب العالمين 


ذكر مناقضات الأناجيل الأربعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق